ابن عربي
155
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 83 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 ) الزكاة : ربو من زكا يزكو إذا ربا ، والزكاة طهارة بعض الأموال .
--> وإما لم يعملوه ، فهذا معنى « وَأَحاطَتْ بِهِ » « فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » وأصحاب النار هم أهلها الذين خلقوا لها ، وأما الدوام فيها إلى ما لا يتناهى فلا يقبل موحدا ، أخرج مسلم في الصحيح من رواية عثمان ، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم [ من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة ولو دخل النار ] وهذا خبر ، والخبر الإلهي لا يدخله النسخ ، ويخرج اللّه يوم القيامة من لم يعمل خيرا قط ، والتوحيد ليس بعمل وإنما العمل طلب تحصيله ، فهؤلاء الذين أخرجهم اللّه حصل لهم نور من عنده سبحانه من غير عمل ولا تعمل ، ولكن عملوا أعمالا استوجبوا بها العقاب ما شاء اللّه ، ثم أخرجهم سبحانه بالعناية التي سبقت لهم ، ثم قال في مقابلة هؤلاء في أهل الجنة الذين هم أهلها ( 83 ) « وَالَّذِينَ آمَنُوا » باللّه وما أنزله من الكتب والرسل « وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » في مقابلة ( وأحاطت به خطيئاته ) فإن الأعمال الصالحة هي التي لا يدخلها خلل يزيل عنها اسم الصلاح ، قال « أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » فخصهم بالذكر دون من يدخل الجنة بالشفاعة وبعد العذاب ، تهمما بهم واعتناء ، وإن كان الخلود في الجنة يشمل العاصي والطائع ، ثم قال ( 84 ) « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ » جميع ما يأتي هو شرح الميثاق الذي أخذه عليهم ، فهو إخبار بما عهد إليهم وتعليم لنا ، فقوله « لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ » أي لا تقروا بالوحدانية في الألوهية ولا تتقربوا بالعبادات إلا اللّه ، وقرئ بالتاء والياء على الإخبار وعلى حكاية الخطاب الذي قال لهم ، ومن ذلك قوله « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » أي برا بهما عاما ، وهو حجتنا على من يلزمنا الوقوف عند التأفيف لهما من التنبيه بالأدنى على الأعلى في تأويلهم ، وأن ما عدا التأفيف يجوز أن نعاملهما به ، فنلتزم لهم ذلك ونجعل حجتنا « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » وما عدا التأفيف من قبيح الأفعال ومما يؤدي إلى العقوق يدخل في الإحسان اجتنابه ، وقوله « وَذِي الْقُرْبى » يريد صلة الرحم ، وقوله « وَالْيَتامى » يخاطب الأوصياء بحفظ أموالهم ، وغير الأوصياء بالشفقة عليهم وجبر انكسارهم ليتمهم ، وقوله « وَالْمَساكِينِ » وهم الذين أذلهم